البيانات الرديئة (Rubbish Data)
من خلال خبرتي في العمل مع العديد من المنظمات ومراكز الأبحاث والباحثين الأكاديميين، لاحظت وجود إشكالية متكررة في البيانات المجمّعة لا يمكن وصفها إلا بأنها بيانات رديئة أو عديمة الجدوى.
يمكن تلخيص مفهوم البيانات غير المفيدة في أنها بيانات أو أسئلة تُدرج في الاستبيانات دون أن يكون لها أي قيمة حقيقية مرتبطة بأهداف البحث. فعلى سبيل المثال، في كثير من أنشطة المراقبة أو التقييم، تُطرح أسئلة على المستفيدين تتعلق بالبنية الأسرية بتفصيل كبير، مثل عدد أفراد الأسرة موزعين حسب الجنس والفئات العمرية. وقد يعتقد البعض أن هذه البيانات مهمة، إلا أن التجربة العملية تشير إلى عكس ذلك؛ إذ إن هذا النوع من البيانات يكون ذا أهمية فعلية في مرحلة تقييم الاحتياجات واختيار المستفيدين، وهي مرحلة تكون هذه المعلومات قد جُمعت فيها مسبقًا. وفي جميع الحالات التي اطلعت عليها، لم يتم استخدام هذه البيانات لاحقًا عند كتابة تقارير المراقبة أو التقييم، وفي أفضل الأحوال تم اختزالها إلى رقم إجمالي لعدد أفراد الأسرة. وهنا يبرز السؤال المنطقي: لماذا يتم طرح كل هذه الأسئلة التفصيلية وإرهاق المستفيدين دون فائدة حقيقية؟
الاعتقاد السائد لدى بعض الباحثين بأن طرح هذه البيانات—even إن لم تكن مفيدة—لن يسبب أي ضرر هو اعتقاد خاطئ. فالإكثار من الأسئلة، وطرح أسئلة لا ترتبط مباشرة بأهداف البحث، يؤدي إلى مجموعة من المشكلات، من أبرزها:
-
زيادة التكاليف المرتبطة بجمع البيانات.
-
زيادة تردد وخوف المشاركين بسبب كثرة التفاصيل المطلوبة وغياب المنطق الواضح وراءها.
-
انخفاض جدية المشاركين في الإجابة نتيجة طول مدة المقابلة والإرهاق.
-
ارتفاع احتمالية الأخطاء أثناء جمع البيانات.
-
زيادة تعقيد عملية تحليل البيانات دون قيمة مضافة حقيقية.
-
تشتيت الباحث عن معالجة البيانات الجوهرية وكتابة التقرير، ما يؤدي إلى مناقشة قضايا لا ترتبط بأهداف البحث.
-
تشتيت صانعي القرار بمعلومات جانبية لا تخدم عملية اتخاذ القرار.
إن الحالات التي يمكن وصفها بأنها بيانات رديئة لا تُحصى. فعلى سبيل المثال، السؤال عن اسم المشارك في استطلاع رأي سياسي لا تكون له أي أهمية تُذكر، إذ إن المشارك لا يُمثل شخصه بقدر ما يُمثل وحدة من وحدات العينة التي تعكس آراء شريحة من المجتمع (باستثناء حالات نادرة تتعلق بالتحقق أو المتابعة الميدانية لفرق جمع البيانات). بل إن السؤال عن الاسم قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى إجابات أقل صدقًا، نتيجة خوف المشارك من ربط آرائه باسمه الحقيقي وما قد يترتب على ذلك من تبعات أو أضرار محتملة.
لذلك، أنصح دائمًا بأن تكون الأسئلة المطروحة مرتبطة بشكل مباشر وواضح بأهداف البحث، وألا ننطلق من منطق: «لن نخسر شيئًا إذا طرحنا هذا السؤال»، لأن الخسارة في هذه الحالة قد تكون كبيرة، وإن لم تكن ظاهرة للوهلة الأولى.